مقال- صقر بن عائض بن جمعان :
بسم الله الرحمن الرحيم
من الوفاء والإنصاف أن تُذكر الجهود المخلصة، وأن يُشكر أهل الفضل على فضلهم، ولا سيما حين يكون العمل قائمًا على الاحتساب وبذل الوقت والجهد والمال لخدمة الجماعة، وفي شأن عظيم يتعلق بالأنفس والدماء وتفريج الكرب، وهو صندوق الديات.
إن القائمين على هذا الصندوق لم يتصدوا لعمل يسير؛ فملفات الديات من أثقل الملفات مسؤوليةً وأشدها حساسية، لما يترتب عليها من حفظ للنفوس، وتفريج للكرب، وإعانة للأسر، والسعي في الإصلاح والعفو وجمع الكلمة. وما يقوم به الفريق من متابعة واتصالات واجتماعات وإجراءات وسعي بين الناس عمل جليل، نرجو أن يكون في موازين حسناتهم، فقد بذلوا أوقاتهم وجهودهم وأموالهم محتسبين الأجر عند الله دون انتظار مقابل.
والذي يزيد هذه الجهود قدرًا في النفس أنها لم تكن أعمالًا استعراضية تبحث عن الثناء أو الظهور، بل بُذلت في هدوء وإخلاص؛ فرأينا ثمرتها بأعيننا قبل أن نسمع الحديث عنها. وقد كانت ثمرة سنوات طويلة من المبادرة والبحث والاجتهاد؛ فلم ينتظر هؤلاء الرجال من يوجههم أو يرشدهم أو يعاتبهم حتى يتحركوا، بل حملوا المسؤولية من ذواتهم، واجتهدوا وطوّروا العمل مرحلة بعد مرحلة.
وقد لقي الفريق طوال مسيرته كثيرًا من العتاب واللوم والتشكيك، إلا أنهم صبروا وثبتوا واستمروا في خدمة جماعتهم، ونحسبهم – والله حسيبهم – أنهم أخلصوا العمل لله واحتسبوا ما بذلوه عنده سبحانه. وفي الوقت نفسه لم يغلقوا أبوابهم أمام نصيحة الناصحين وعتاب المحبين؛ بل تقبلوا الملاحظات بصدر رحب، وأخذوها على محمل الجد، واستفادوا منها في المراجعة والتطوير.
رجال حملوا الأمانة ولم تمنعهم السنون ولا المرض:
ومن الرجال الذين حملوا هذه الأمانة وأسهموا في مسيرتها الشيخ صالح بن عيدان بن فاضل آل سهيل، والشيخ عبدالرحمن صالح عبدالله آل غانم، والشيخ مصلح بن عبدالله بن صالح العاتي. وما نعرفه عن هؤلاء الرجال أن كلًا منهم أمضى سنوات وعقودًا من حياته باذلًا من ماله ووقته وجهده فيما يعود بالخير على جماعته؛ سواء في أعمال الصندوق، أو إصلاح ذات البين، أو توجيه الشباب، أو الوقوف مع المحتاج، أو زيارة المريض، أو السعي في مصالح الناس. وهذه مسيرة لا تختصرها عبارات الثناء، وإنما تشهد لها السنون والمواقف والآثار الباقية. ومما يزيد هذه المسيرة قدرًا أن بعضهم شارف السبعين من عمره، ومع ذلك لم يمنعهم كبر السن ولا المرض من مواصلة العطاء ما استطاعوا. ومنهم من ظل يؤدي الأمانة حتى غلبه المرض، ثم سلّم الراية لمن بعده؛ لا رغبةً عن العمل ولا زهدًا في خدمة الجماعة، وإنما لأن الغاية لم تكن التمسك بالموقع، بل استمرار العمل وأداء الرسالة. ونسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يمنّ على العم الشيخ عبدالرحمن الغانم بالشفاء التام والعافية، وأن يلبسه لباس الصحة، ويجزيه خير الجزاء على ما بذله من عمره ووقته وجهده في خدمة جماعته.
دماء شابة وخبرات متنوعة:
ومما يُحسب لهذا الفريق أنه جمع خبرة الكبار وحكمة السنين مع طاقة الشباب وتنوع تخصصاتهم وخبراتهم وشهاداتهم. ومن هذه الدماء الشابة الشيخ أحمد بن صالح بن هزاع، خريج كلية الشريعة والحاصل على عدد من الشهادات والدورات القانونية، ولديه معرفة بالعمل الخيري وإجراءاته، بما يجمع بين التأصيل الشرعي والمعرفة النظامية والإدارية. ومعه الأستاذ أحمد بن محمد بن صالح آل محسن، والأستاذ غرم الله عبدالغني عبدالله الغامدي، وغيرهم ممن يخدمون الصندوق ويسهمون في مسيرته، ونعدهم من أهل الثقة والأمانة والحرص والاحتساب. كما لا يفوتنا هنا أن نذكر بالتقدير الأستاذ صالح بن عبدالله الغانم، وهو من أولئك الجنود المجهولين خلف نجاح العمل وتطويره؛ فقد كان له دور بارز وجهود مقدرة في تطوير صندوق الجماعة والارتقاء به إلى مرحلة أكثر تنظيمًا وموثوقية. وقد بذل الأستاذ صالح بن عبدالله الغانم جهدًا كبيرًا في الجانب البرمجي والتقني، وتأسيس الموقع والبوابة الإلكترونية للصندوق، والمساهمة في بناء وتطوير المنظومة الإلكترونية التي تخدم أعمال الصندوق، وهو جهد قد لا يراه الناس في واجهة العمل، لكن أثره ظاهر في تسهيل الإجراءات والانتقال من الأساليب التقليدية إلى العمل الإلكتروني المنظم. وما يميز هذا النوع من العطاء أنه عمل يجري في كثير من الأحيان خلف الكواليس، بعيدًا عن الأضواء وانتظار الثناء؛ ولذلك فإن من الوفاء أن يُذكر صاحبه ويُشكر، فنجاح العمل لا يصنعه من يظهر في مقدمته وحده، وإنما يقف خلفه رجال يعملون بصمت، ويضع كل واحد منهم خبرته ووقته وجهده في المكان الذي يحسن فيه العطاء. فجزى الله الأستاذ صالح بن عبدالله الغانم خير الجزاء على ما قدم، وبارك في جهده ووقته وعلمه، وجعل ما بذله في خدمة الصندوق والجماعة في موازين حسناته.
وهذا التنوع بين الخبرة الاجتماعية والشرعية والنظامية والإدارية والمالية والتقنية يمثل أحد أهم عناصر قوة الفريق؛ فالكبار يقدمون تجربة السنين والحكمة، والشباب يقدمون الطاقة والمعرفة الحديثة، وأصحاب التخصصات يقدم كل منهم خبرته، فتتكامل الجهود وتنتقل الخبرة من جيل إلى جيل.
الانتقال إلى العمل المؤسسي والحوكمة:
ومن الجهود المهمة التي شهدها الصندوق انتقال أسلوب العمل من الإجراءات التقليدية إلى عمل مؤسسي أكثر تنظيمًا، يقوم على لوائح وإجراءات واضحة، وتحديد للصلاحيات والمسؤوليات، وتعزيز للرقابة والتوثيق والاستفادة من التقنية، بما يسهم في رفع كفاءة العمل وحفظ حقوق الصندوق وأعضائه.
والأجدر بالإشادة أن هذا التطوير لم يأتِ استجابةً لملاحظة طارئة أو توجيه حديث، وإنما بادر إليه الفريق من تلقاء نفسه، وبدأ العمل عليه قبل نحو عام كامل؛ وهذا دليل على نباهتهم ووعيهم وحرصهم واستشعارهم للمسؤولية، وسبقهم إلى أفكار لم ترد إلى أذهان كثير منا إلا بعد أن كانوا هم قد قطعوا فيها شوطًا كبيرًا.
وأقول ذلك وأنا أعرف شيئًا من طبيعة هذه الأعمال وحجم مسؤوليتها؛ فلدي بكالوريوس في الشريعة، وبكالوريوس آخر في القانون، وماجستير في القانون، ودبلومان في المحاماة، وشهادات آيزو في المخاطر والالتزام واستمرارية الأعمال، كما شاركت في تأسيس وتسجيل بعض الجمعيات من الصفر، وإعداد لوائحها وبناء أطر حوكمتها.
ومع ذلك كله، فقد علمتني التجربة أن العلم والشهادات والخبرات وحدها لا تكفي؛ فهذا العمل يحتاج إلى التفرغ والبذل والصبر، وإلى من يقتطع من وقته وعمله وأسرته وراحته لمتابعة الاجتماعات والاتصالات والإجراءات ومصالح الناس.
وهذه حقيقة أعترف بها عن نفسي قبل غيري؛ فقد أملك شيئًا من العلم والتخصص والخبرة، ولكنني أعجز – كما يعجز كثير من الشباب – عن تقديم ذلك القدر من التفرغ والوقت والمتابعة الذي قدمه ويقدمه هؤلاء الرجال.
ولهذا أقف والله أمام جهودهم وقفة احترام وتقدير وإجلال؛ فالفضل ليس في العلم وحده، وإنما في العلم إذا صاحبه العمل، والخبرة إذا صاحبها البذل، والأمانة إذا صاحبها الصبر والتفرغ والاحتساب.
وإن كان لنا من علم أو تخصص أو خبرة نستطيع تقديمها، فإن واجبنا أن نضعها في خدمتهم وخدمة الصندوق، وأن يكون دورنا عونًا لهم لا انتقاصًا من جهودهم، وتطويرًا لما بنوه لا تشكيكًا في رجاله.
وفي الختام، نتقدم بالشكر والتقدير إلى الشيخ صالح بن عيدان بن فاضل آل سهيل، والشيخ عبدالرحمن صالح عبدالله آل غانم، والشيخ مصلح بن عبدالله بن صالح العاتي، والشيخ أحمد بن عبدالله صالح، والأستاذ أحمد بن محمد بن صالح آل محسن، والأستاذ غرم الله عبدالغني عبدالله الغامدي، والأستاذ صالح بن عبدالله الغانم، وإلى كل من خدم الصندوق وأسهم فيه منذ بداياته إلى يومنا هذا، سواء ظهر اسمه أم بقي جنديًا مجهولًا يعمل خلف نجاح هذا العمل بعيدًا عن الأضواء.فإن عجزت كلماتنا عن الوفاء بحقكم، فلن نعجز – نحن وأبناؤنا من بعدنا – عن الدعاء لكم بظهر الغيب. جزاكم الله عن جماعتكم خير الجزاء، وبارك في أعماركم وأهليكم وأموالكم، وجعل ما بذلتموه في موازين حسناتكم، وشفى العم الشيخ عبدالرحمن الغانم وألبسه لباس الصحة والعافية، وكتب لهذا الصندوق الاستمرار والنفع والبركة، وجعل أثر أعمالكم ممتدًا في جماعتكم وأجيالها من بعدكم.