مقال:
في زمن أصبحت فيه الكاميرا لا تفارق أيدينا، أصبح من المألوف أن يبدأ اللقاء قبل أن يبدأ الحديث؛ صورة للطاولة، وصورة للقهوة، وصورة لكل شخص، وربما تصوير تفاصيل الحديث واللحظات التي كان من المفترض أن تبقى بين أصحابها.
التصوير في حد ذاته ليس أمرًا سيئًا، بل هو وسيلة جميلة لحفظ الذكريات، لكن حين يتحول إلى عادة تلازم كل مجلس، يصبح شيئًا آخر. تجد الحاضرين منشغلين بتوثيق اللحظة أكثر من عيشها، وبالتقاط الصورة أكثر من الاستماع لمن أمامهم.
والأجمل في المجالس ليس دائمًا ما يظهر في الصور، بل ما لا يظهر فيها؛ ضحكة عفوية، حديث من القلب، سرّ يقال بثقة، ونقاش طويل لا يحتاج إلى كاميرا حتى يكون جميلًا.
لقد أصبحت بعض المجالس أشبه بمشهدٍ معدّ للتصوير، حتى كادت العفوية أن تختفي منها. وكلما انشغلنا بتوثيق كل لحظة، خسرنا جزءًا من جمالها؛ لأن بعض اللحظات لا تحتاج أن تُحفظ في الهاتف، يكفي أن تُحفظ في الذاكرة.
فلنترك للقاءاتنا مساحة بلا كاميرات، ولأحاديثنا مساحة بلا توثيق، وللحظاتنا شيئًا من الخصوصية. فليس كل ما نعيشه يحتاج إلى أن يُصوَّر، وبعض أجمل الذكريات هي تلك التي عشناها كاملة… دون أن نفكر للحظة في التقاط صورة لها.