مقال – صقر بن عائض بن جمعان:
بسم الله الرحمن الرحيم
حين نقرأ تاريخ الأعمال النافعة، فإن أول ما يستوقفنا ليس أين انتهت، بل من أين بدأت، ومن كان صاحب الخطوة الأولى.
وصندوق الجماعة، بما يمثله من تكافل وتعاون وتفريج للكرب، له بداية تستحق أن تُروى، وله رجل ارتبط اسمه بتلك البداية: العم سعدالله بن صالح بن جمعان.
لم يرث العم سعدالله صندوقًا قائمًا، ولم يتسلّم عملًا مهيأً سبقه إليه غيره، بل رأى حاجةً قائمة بين أبناء جماعته، ورأى أن بعض الأعباء، وفي مقدمتها الديات، قد تثقل كاهل الفرد والأسرة، بينما تستطيع الجماعة إذا اجتمعت أن تحمل ما يعجز عن حمله الواحد.
ومن هنا بدأت الحكاية.
لم يقف العم سعدالله عند المشكلة طويلًا، بل تجاوز السؤال عنها إلى السؤال الأهم: كيف نصنع لها حلًا؟
وكان جوابه عملًا لا كلامًا. جاء بفكرة صندوق الجماعة؛ فكرة تجمع المتفرق، وتنظم البذل، وتحول التعاون من موقف عابر عند وقوع الحاجة إلى عمل مستمر له أساس يقوم عليه.
وما أسهل أن تبدو الفكرة واضحة بعد نجاحها، وما أصعب أن تراها قبل أن توجد. فالناس ينظرون اليوم إلى الصندوق فيرون عملًا قائمًا، ولكن المؤسس رآه يومًا فكرة لم يكن لها اسم على ورق، ولا مال في حساب، ولا نظام يسير عليه الناس.
كان عليه أن يبدأ من الصفر.
أن يحمل الفكرة، وأن يضع لها أول أساس، وأن ينقلها من حديث يمكن أن ينتهي بانتهاء المجلس إلى عمل يبقى بعد انفضاضه. وهذا ما فعله العم سعدالله بن صالح بن جمعان. فلم يكن صاحب اقتراح فحسب، بل كان صاحب الفكرة ومؤسس الصندوق، ثم تولى شؤونه سنوات طويلة، يحمل مسؤوليته ويتابع أعماله، حتى اشتد عوده وأصبح واقعًا راسخًا في حياة الجماعة.
وهنا تكمن قيمة التأسيس.
فالبناء يمكن أن تعلو طوابقه، ويمكن لمن يأتي بعد ذلك أن يزيد فيه ويحسنه، لكن تحت كل ذلك أساس، وللأساس يدٌ وضعته أول مرة. وتلك اليد، في تاريخ صندوق الجماعة، هي يد العم سعدالله بن صالح بن جمعان. ومضت الأعوام، ثم العقود، وبقي الرجل وفيًا للفكرة التي بدأها، يحمل من أعبائها ما يستطيع، ويؤدي ما حمّله نفسه من مسؤولية تجاه جماعته. حتى جاء وقت أثقلت فيه وعكة صحية كاهل العم سعدالله، وأصبح حمل المسؤولية بعد تلك السنين الطويلة شاقًا عليه.
وهنا تظهر حكمة الرجال مرة أخرى.
فكما عرف العم سعدالله يومًا متى يبدأ، عرف بعد عقود لمن يسلّم الراية. فسلّم أمانة الصندوق إلى الشاب الفاضل الأستاذ أحمد بن صالح بن هزاع، الذي جمع بين الخبرة الشرعية والقانونية، ليواصل المسيرة ويحمل مسؤولية عمل أصبح جزءًا من تاريخ الجماعة وتكافلها.
وهكذا هي الأعمال التي يُراد لها البقاء؛ لا تتوقف عند رجل، وإن كان هو من أنشأها، وإنما تنتقل الأمانة من يد أمينة إلى يد أمينة، ويبني اللاحق على ما وضعه السابق، حتى يصبح العمل أكبر من الأشخاص وأطول عمرًا من المراحل.
لقد بدأ العم سعدالله بفكرة وحاجة، ثم أسس لها صندوقًا، وحمل أمانته عقودًا، وحين أثقل المرض جسده لم يترك ما بناه بلا راعٍ، بل سلّم الراية لمن رأى فيه القدرة على حملها.
وفي ذلك صورة جميلة من صور الوفاء والمسؤولية:
رجلٌ أسس، ورجلٌ تسلّم، وأمانةٌ بقيت، وجماعةٌ تنتفع. ثم جاء من بعدهما رجال آخرون، حمل كل واحد منهم نصيبه من المسؤولية، وأضاف إلى ما سبقه، حتى وصلت المسيرة إلى يومنا هذا. وكل يد امتدت إلى هذا الصندوق بخير فلها من الشكر بقدر ما بذلت. لكن حين نعود إلى أول السطر، يبقى للعم سعدالله موضعه الذي لا يلتبس هو الرجل الذي رأى المشكلة، وفكر في حلها، وجاء بفكرة الصندوق، ثم أسسه وحمل مسؤوليته عقودًا. وإذا كان اسمه قد غاب عن مقالتي السابقة، فإن بعض الأسماء لا يكفيها أن تُضاف في سطر؛ لأن موقعها في الحكاية أكبر من ذلك. فالعم سعدالله ليس اسمًا مرّ في تاريخ الصندوق، بل إن تاريخ الصندوق يبدأ من فكرته وتأسيسه له. ولعل أجمل ما يتركه الإنسان بعد سنوات العمر فكرة نافعة تبقى بعده، وباب خير فتحه فيظل الناس يدخلون منه. فالمال ينفد، والمناصب تزول، ولكن الأثر الصالح يبقى.
فشكرًا للعم سعدالله بن صالح بن جمعان على الفكرة، وعلى التأسيس، وعلى عقود من حمل الأمانة. وشكرًا للأستاذ أحمد بن صالح بن هزاع على حمل الراية من بعده، ومواصلة الطريق. ونسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يشفي العم سعدالله شفاءً تامًا عاجلًا لا يغادر سقمًا، وأن يلبسه لباس الصحة والعافية، وأن يمده بالقوة والسلامة، ويجزيه عن كل كربة أسهم في تفريجها، وعن كل خير كان صندوق الجماعة سببًا فيه، خير الجزاء، وأن يجعل ما بذله وأسسه في موازين حسناته.
فطوبى لمن غرس غرسًا، ثم مضت الأعوام، وبقي الناس يأكلون من ثمره.