أخبار عاجلة
الرئيسية / منتدى المواضيع العام / مقال للأستاذ عثمان بن أحمد : حكاية قبل النوم…!!!

مقال للأستاذ عثمان بن أحمد : حكاية قبل النوم…!!!

مقال – عثمان بن أحمد:

 

حكاية قبل النوم…!!!

يُحكى أن قرية اعتاد أهلها منذ زمن بعيد أن يجمعوا شيئاً من أموالهم في صندوق واحد، لا يملكه أحد منهم، لكنه يخصهم جميعاً. كانوا يدفعون منه ما يعينون به من أصابته حادثة، ويسندون المحتاج إذا ضاقت به الحال، حتى أصبح الصندوق جزءاً من تاريخ القرية؛ لا تُقاس قيمته بما فيه من مال، بل بما يحمله من معنى التكافل والثقة.

وفي يوم من الأيام، تقدم رجال من أهل القرية، وقالوا إنهم أقدر من غيرهم على حفظ الصندوق وتنمية ماله وترتيب شؤونه. وفي طريقهم إلى حيث كان الصندوق محفوظاً، التقوا عجوزاً عرفت أيام القرية الأولى، فقالت لهم:

«هذا الصندوق لم يصنعه رجل واحد، ولم يملأه مال رجل واحد. فيه دراهم من ماتوا، وأمانات من بقي، وحقوق لأناس قد يحتاجونه غداً وهم لا يعلمون».

لكنهم كانوا يرون أن حسن النية يكفي، وأن من أمسكوا بالمفتاح أصبحوا أحق بالتصرف.

دخل الرجال المكان الذي يُحفظ فيه الصندوق، فرأوا حوله صناديق أخرى؛ بعضها يحوي مالاً، وبعضها وثائق قديمة، وبعضها أسماء الذين دفعوا والذين استفادوا، لكنهم وجدوا صندوقاً صغيراً قديماً أوصتهم العجوز ألا يعبثوا به، وقالت:

«هذا هو أصل الحكاية؛ فيه عهد أهل القرية بأن يبقى مالهم لهم، وألا ينفرد به أحد، وألا يُصرف إلا فيما اجتمعوا عليه».

حمل الرجال المال والصندوق الصغير، ثم مضوا، وبدأوا يتصرفون وكأنهم أصبحوا أصحاب المال لا أمناء عليه، وكلما سألهم أهل القرية عن حساب الصندوق قالوا لهم:

«اطمئنوا، نحن نعرف مصلحتكم».

ومع الأيام أخذ أهل القرية يتساءلون: أين ذهبت الأموال؟ ومن يقرر؟ ولماذا أصبح السؤال عن مالهم كأنه تعدٍّ على حق غيرهم؟

بلغ الخلاف حكيم القرية، وكان شيخاً عركته الأيام، ويعرف أن المال إذا دخل بين الناس بلا نظام أفسد الود، فقال للرجال:

«هاتوا الصندوق».

قالوا:

«هو عندنا، ونحن نحفظه».

فأجابهم الحكيم:

«نحن لم نسألكم أين تحفظونه، بل نسألكم: لمن هو؟».

قالوا:

«لأهل القرية».

قال الحكيم:

«إذن لماذا أصبحتم أنتم المتكلمين وهم الصامتون؟».

ثم جمع أهل القرية، ووضع الصندوق أمامهم، وقال:

«المشكلة ليست في الصندوق، ولا في كثرة المال أو قلته؛ المشكلة تبدأ حين تتحول الأمانة إلى ملكية، والخدمة إلى سلطة، والاجتهاد الفردي إلى قرار لا يُراجع».

وطلب فتح السجلات أمام الجميع، وتحديد موارد الصندوق ومصارفه، واختيار من يديره، وتحديد مدة مسؤوليته، وألا يُصرف ريال واحد إلا وفق قواعد معلومة وواضحة.

وعندما اعترض الرجال وقالوا:

«أتشكّون في أمانتنا؟»

ابتسم الحكيم وقال:

«النظام لا يوضع لأن الناس خونة، وإنما يوضع حتى لا نضطر يوماً إلى اتهام الأمناء».

ثم التفت إلى أهل القرية وقال:

«هذا الصندوق صنعته حاجتكم إلى بعضكم، فلا تجعلوه سبباً لفرقتكم. من دفع فيه ريالاً فله الحق أن يعرف أين ذهب، ومن لم يحتج إليه اليوم ربما يحتاجه غداً. لا تعطوا أحداً من الثقة ما يغنيه عن الحساب، ولا تجعلوا الخلاف على الإدارة يهدم الفكرة التي أُنشئ الصندوق من أجلها».

أما العجوز، فكانت تراقب من بعيد، ثم قالت:

«كنت أخشى أن ينكسر الصندوق، فاكتشفت أن الذي يكاد ينكسر ليس الصندوق… بل القرية».

ومنذ ذلك اليوم عاد الصندوق إلى مكانه، لكن هذه المرة لم يكن له مفتاح واحد، ولا رأي واحد، ولا رجال يتحدثون باسمه وحدهم.

وأدرك أهل القرية أن المال الجماعي لا تحميه النوايا الطيبة وحدها، وإنما تحميه الشفافية والعدالة والشورى والمحاسبة؛ وأن الصندوق الذي أُنشئ ليجمع الناس لا يجوز أن يتحول إلى صندوق يختلفون عليه.

عن admin

شاهد أيضاً

قاعة أثرب في حوالة.. حلمٌ بدأ بفرحة الأهالي وانتهى بالصمت والأبواب المغلقة.. لقاءات بالفيديو تستعيد ذكريات القاعة وأيامها الجميلة

متابعات: كانت قاعة أثرب في حوالة يومًا حلمًا للأهالي، ومشروعًا استقبلوه بالفرح والتفاؤل، خصوصًا أنها …