مقال – صقر بن عائض:
ليس القلم عودًا يُمسك بالأصابع، ولا الكتابة رصفًا للكلمات وتزويقًا للعبارات، بل القلم أمانة، والكلمة شهادة، والكاتب مسؤول بين يدي الله عما خطَّت يداه، وما زيَّنه للناس، وما أخفاه عنهم، وما رفع به أقوامًا أو وضع به آخرين.
وإذا كان للقضاء عدله، وللرواية أمانتها، فإن للكتابة كذلك ميزانًا لا يستقيم أدبها إلا به، وهو ميزان الإنصاف وتقوى الله. فربَّ عبارة جميلة تخفي ظلمًا قبيحًا، وربَّ أسلوب آسر يحمل بين حروفه بهتانًا، وربَّ كاتب أحسن سبك الكلمات، ولكنه أساء الحكم على العباد.
إن الأديب لا يكتمل أدبه بفصاحة اللسان وسيولة القلم وحدهما، وإنما يكتمل بصدق الكلمة، ونبل المقصد، وطهارة السريرة، وشجاعة الاعتراف بالحق. فالمصداقية روح الأدب، فإذا نُزعت منه لم يبقَ إلا جسد من الألفاظ، قد يلمع في العيون حينًا، لكنه سرعان ما ينكشف خواؤه.
والمنصف حقًّا ليس من يطالب الناس بإنصافه فحسب، وإنما هو من أنصف الناس من نفسه، فأعطاهم من الحق مثل الذي يطلبه لنفسه، وذكر حسناتهم كما يذكر أخطاءهم، ولم يحمله الخلاف على الجحود، ولا الخصومة على الافتراء، ولا الغضب على تجاوز حدود العدل. وقد أمر الله بالعدل حتى مع من نختلف معهم، فقال سبحانه:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾.
فكيف بمن يظلم أخاه المسلم بقلمه، أو يجتزئ كلامه، أو يحمل عبارته ما لا تحتمل، أو يجعل من خطأ واحد جسرًا إلى إسقاط فضله كله؟
إن أدب الكتابة مرتبط بالأدب الحقيقي؛ فمن لم يهذّب لسانه عند الغضب، ولم يحفظ لأهل الفضل أقدارهم، ولم يعرف للكبير حقه، وللعالم منزلته، وللمخالف إنسانيته، فلن تنفعه زخارف البيان. فالقلم ليس ستارًا يختبئ خلفه سوء الخلق، ولا منبرًا لتصفية الحسابات، ولا سيفًا يُشهر في وجوه الناس بغير حق.
قال الله تعالى:﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾.
ولم يأمر الله عباده أن يقولوا الحسن فحسب، بل أمرهم أن يقولوا التي هي أحسن؛ لأن الكلمة قد تكون صحيحة في أصلها، ولكن يفسدها سوء الأسلوب، أو قسوة العبارة، أو إرادة التشفي والإهانة. والكاتب المؤمن لا يسأل نفسه فقط: هل ما كتبته صحيح؟ بل يسأل أيضًا: هل كان عادلًا؟ هل كان نافعًا؟ هل أرضى الله؟ وهل أرضى أن ألقى الله به؟
وقد قال النبي ﷺ: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده»، وقال ﷺ: «ليس المؤمن بالطعّان، ولا اللعّان، ولا الفاحش، ولا البذيء». وإذا كان أذى اليد محسوسًا تشاهده العيون، فإن جراح اللسان والقلم قد تكون أعمق وأبقى؛ فقد تُنسى الضربة، ولا تُنسى الكلمة التي هتكت كرامة إنسان، أو لوثت سمعته، أو أورثت في قلبه حزنًا طويلًا.
ومن أدب الإسلام حفظ مقامات الناس، قال ﷺ: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويوقر كبيرنا»، وقال ﷺ: «إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط». وليس توقير الكبير والعالم والوجيه نفاقًا ولا مداهنة، بل هو من مكارم الأخلاق، ما لم يؤدِّ إلى السكوت عن باطل أو تضييع حق. فالإنصاف يجمع بين بيان الخطأ وحفظ القدر، وبين النصح وصيانة الكرامة.
وحذّر النبي ﷺ من الثرثرة والتشدق والتفيهق، فقال: «وإن أبغضكم إليَّ وأبعدكم مني مجلسًا يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون»، وفسَّر المتفيهقين بأنهم المتكبرون. والمتفيهق ليس هو الفصيح الذي وهبه الله حسن البيان، بل هو المتعاظم بكلامه، المتكلف في عبارته، الذي يجعل فصاحته سلّمًا للترفع على الناس واحتقارهم. فليست البلاغة في غريب الألفاظ، وإنما في إصابة الحق بأوضح عبارة وأصدقها وأرفقها.
وإذا رزقك الله فصاحة لسان وقلمًا سيالًا، فاجعل هذه النعمة في طاعته ومرضاته؛ دافع بها عن مظلوم، وعلّم بها جاهلًا، وانصح بها مخطئًا، وانشر بها فضيلة، وأطفئ بها فتنة. وإياك أن تجعل ما وهبك الله من البيان أداة للظلم، أو وسيلة للتشهير، أو مطية للكبر واستعراض العضلات؛ فإن النعمة إذا لم تُشكر انقلبت حجة على صاحبها.
أما القدرة على الكتابة وحدها، وجمع الكلمات الرنانة، وبناء الجمل المزخرفة من غير معنى حقيقي ولا صدق ولا عدل، فليست من الأدب في شيء. إنها صناعة ألفاظ قد تثير الإعجاب لحظة، لكنها لا تمنح صاحبها مكانة الأدباء؛ لأن الأدب موقف وأخلاق قبل أن يكون مفردات وأوزانًا. ومن استعرض بعبارته الخاوية ظن أنه يرتفع في أعين الناس، وما يزيده استعراضه عند العقلاء إلا انكشافًا وانخفاضًا.
ولأن الكلمة المكتوبة أطول عمرًا من صاحبها، وجب على الكاتب أن يتأمل ما يودعه في صحائف الناس قبل أن يودعه في صحيفته؛ فقد قيل:
وما من كاتبٍ إلا سيفنى
ويُبقي الدهرُ ما كتبت يداهُ
فلا تكتبْ بكفِّك غيرَ شيءٍ
يسرُّك في القيامة أن تراهُ
فكم من كاتب غاب جسده، وبقي عدله شاهدًا له، وكم من قلم جفَّ مداده، وبقي ظلمه يطارده! وقد يبقى الخط بعد صاحبه أعوامًا، يتناقله الناس ويقرؤه من لم يدرك زمنه، كما قيل:
الخطُّ يبقى زمانًا بعد كاتبه
وكاتبُ الخطِّ تحت الأرض مدفونُ
فقد يجري على الكاتب أجر كلمته إن كانت هداية وإصلاحًا، وقد يجري عليه وزرها إن كانت ظلمًا وإفسادًا. ومن هنا كان القلم مسؤولية لا تنتهي بانتهاء المجلس، ولا تُطوى بطيّ الصحيفة، بل قد يبقى أثرها بعد أن يصير صاحبها تحت التراب.
ومن كمال أدب الكاتب ألا ينحدر إلى مستوى السفهاء، ولا يجعل كل ناعق جديرًا بجوابه، ولا كل خصومة ميدانًا يستعرض فيه قدرته. وقد نُسب إلى الإمام الشافعي رحمه الله قوله:
يخاطبني السفيهُ بكلِّ قبحٍ
فأكره أن أكون له مجيبًا
يزيد سفاهةً فأزيد حلمًا
كعودٍ زاده الإحراق طيبًا
فالحلم عند السفه ليس ضعفًا، والصمت عن اللغو ليس عجزًا، والإعراض عن المهاترات ليس هزيمة. إنما الضعف أن يملك المرء قلمًا ثم لا يملك نفسه، وأن يحسن وصف الكلمات ولا يحسن ضبط الغضب، وأن ينتصر في جدال عابر ويخسر أدبه ودينه ومروءته.
وقد كان الشافعي رحمه الله مثالًا في أدب الخلاف؛ فكان يتمنى ظهور الحق ولو على لسان مخالفه. وهذه مرتبة عالية لا يبلغها من جعل غايته الانتصار لنفسه، لا الوصول إلى الحقيقة. فالجدال الذي يُطلب به الحق محمود، أما الجدال الذي يراد به قهر الخصم، وإظهار التفوق، وإذلال المخالف، فهو باب من أبواب الكبر وفساد القلوب.
يا صاحب القلم، اتق الله فيما تكتب؛ فإن قارئك قد لا يعرف حقيقة ما وراء السطور، ولكن الله يعلم السر وأخفى. ولا تجعل خصومتك مع إنسان سببًا لمحو حسناته، ولا محبتك له سببًا لستر باطله. زن الناس بميزان واحد، واذكر الفضل لأهله، وقل الحق ولو خالف هواك؛ فإن العدل لا يتجزأ، والحق لا يُعرف بالرجال، وإنما يُعرف الرجال بلزومهم الحق.
واكتب بقلم الإنسان الذي يعلم أنه سيقف بين يدي الرحمن؛ فلا تبهت، ولا تسخر، ولا تلعن، ولا تتشفَّ، ولا تتعمد إسقاط الناس. وإذا نقدت فانقد بعلم، وإذا نصحت فانصح برحمة، وإذا خالفت فخالف بأدب، وإذا غضبت فأمهل قلمك حتى يسكن قلبك؛ فرب كلمة كتبها الغضب، وندم عليها العقل عمرًا كاملًا.
إن أمانة القلم ليست في جمال الخط، ولا في كثرة المتابعين، ولا في تصفيق المعجبين؛ وإنما في أن تكون الكلمة حقًّا، والقصد لله، والأسلوب كريمًا، والميزان عادلًا. فمن جمع صدق المعنى إلى جمال المبنى، وتقوى الله إلى قوة البيان، فقد استحق شرف الأدب. ومن فقد الصدق والإنصاف، فما أغنت عنه فصاحته، ولو ملأ الدنيا كلمات.
فطوبى لقلمٍ أحيا فضيلة، وأنصف مظلومًا، وردَّ عن غائب، وجبر خاطرًا، ودعا إلى خير، وأصلح بين الناس. وويل لقلم اتخذ من الفصاحة ستارًا للظلم، ومن البيان سلاحًا للتشهير، ومن الأدب المزعوم طريقًا إلى الكبر.
فالقلم شاهد، والكلمة أمانة، والصحائف لا تنسى، والله لا يخفى عليه شيء: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾.