أخبار عاجلة
الرئيسية / منتدى المواضيع العام / عبدالعزيز الزهراني يكتب مقال عن الراحلة شريفة بنت عبدالغني رحمها الله ويستعرض ابرز مناقبهاو ماقدمته في حياتها من صبر وكفاح

عبدالعزيز الزهراني يكتب مقال عن الراحلة شريفة بنت عبدالغني رحمها الله ويستعرض ابرز مناقبهاو ماقدمته في حياتها من صبر وكفاح

مقال – عبدالعزيز حسين الزهراني

وسقط جبل آثرب..

وليس كل جبلٍ من صخر، فبعض الجبال رجال، وبعضها نساء، إذا رحلوا شعر الناس أن شيئًا من الثبات قد غاب، وأن صفحةً من صفحات الزمن قد طُويت.

هكذا كان شعوري وأنا أودع عمتي أم زوجتي، شريفة بنت عبدالغني (أم محمد)، التي انتقلت إلى رحمة الله قبل أيام، بعد عمرٍ حافل بالصبر والكفاح وصناعة الرجال.

وأنا أستعيد سيرتها، عادت بي الذاكرة إلى أكثر من خمسين عامًا، حين كنت طالبًا في الصف السادس الابتدائي بمدرسة عبدالله بن رواحة، أجلس على مقعد الاختبار النهائي لمادة التعبير. وكعادة تلك الأيام، كانت أمامنا ثلاثة مواضيع نختار أحدها، وكان من بينها موضوع جاء نصه:

“تمثل المرأة في الإسلام ركيزةً أساسية في المجتمع، وقد تتجاوز بأفعالها عشرات الرجال.”

استوقفني ذلك العنوان، فاخترته، وكتبت فيه بما استطاع قلم طفل في ذلك العمر أن يكتب.

ولم أكن أعلم أن الأيام ستكشف لي أن تلك العبارة لم تكن مجرد موضوع إنشائي، بل حقيقة سأعيشها وأراها متجسدة في امرأة عرفتُها عن قرب.

عرفت أم محمد منذ أن تشرفت بالارتباط بابنتها الكريمة، فأدركت أنني أمام شخصية ليست كغيرها. كانت من أعيان قرية حوالة، وصاحبة مكانة رفيعة في مجتمعها، يحترمها الصغير قبل الكبير، لما عُرف عنها من قوة الشخصية، والعدل، والصدق، والجرأة في قول الحق.

عاشت حياة الريف بكل ما فيها من مشقة، ثم انتقلت مع زوجها الفاضل أحمد بن جمعان ـ رحمه الله ـ، لتشاركه رحلة الكفاح وبناء الأسرة، حتى جاء اليوم الذي ابتلاهما الله فيه بأشد البلاء.

ففي حادث مروري أليم، فقدت زوجها، وفقدت معه أحد أبنائها، في مصابٍ زلزل الأسرة وكل من عرف العم أحمد.

ومن المصادفات التي لا أنساها أن من ضحايا ذلك الحادث كان معلمي في المرحلة المتوسطة، الأستاذ مساعد بن أحمد بن عثمان، الذي كان له فضل كبير عليّ؛ فقد جعلني أحب مادة التاريخ بعد أن كنت أنفر منها، وكان لذلك أثر بالغ في شغفي بالقراءة والثقافة.

لكن أكثر ما بقي عالقًا في ذاكرتي من تلك الفاجعة، موقف أم محمد عندما ذهبت إلى القويعية بعد وصول خبر الحادث. تردد أحد المسؤولين في إبلاغها بالحقيقة، فنظرت إليه بثبات وقالت:

“يا بني، أخبرنا. إن كانوا على قيد الحياة أسعفناهم وتبرعنا لهم بالدم، وإن كانوا قد قضوا نحبهم فأنا امرأة صابرة محتسبة.”

لم تكن كلمات امرأة فقدت توازنها، بل كلمات مؤمنة سلّمت أمرها لله قبل أن تعرف الخبر.

ولم يكن ذلك أول ابتلاء تمر به؛ فقد سبقه فقدان اثنين من أبنائها في صغرهم، حتى صار الصبر جزءًا من شخصيتها، لا شعارًا تردده عند المصائب.

عادت إلى منزلها، ولم يكن أمامها وقت طويل للحزن. كانت تدرك أن خلفها ثمانية أبناء ينتظرون منها أن تكون الأم والأب معًا.

وكان أول قرار اتخذته أن تبدأ بسداد ديون زوجها، التي تجاوزت نصف مليون، رغم أن ما تملكه لا يتجاوز عمارة في حي الوزارات، ومحلاً مؤجرًا يمثل مصدر دخلها الوحيد.

وبحسن إدارتها، وتوفيق الله لها، استطاعت أن تسدد الدين كاملًا، ثم بدأت رحلة بناء جديدة. وما يعرف اليوم بالتطوير العقاري كانت تمارسه بفطرتها؛ تستثمر دخل عقار في بناء آخر، حتى أصبحت تؤسس مستقبل أسرتها لبنة بعد أخرى.

وفي خضم ذلك كله، لم تنس رسالتها الكبرى: تربية أبنائها.

غرست فيهم القيم، وربتهم على الاعتماد على النفس، والصبر، والانضباط، وخدمة الوطن، حتى التحقوا جميعًا بالسلك العسكري، ثم استقل كل واحد منهم بأسرته، وهم يحملون أثر تلك التربية المباركة.

ولم تتوقف عند ذلك، بل شيدت منزلًا في الدرعية، بحي أجاكس، ليكون ملتقى الأسرة ومستقرها.

ومع تقدم العمر، أخذ الجسد يضعف، لكن مكانتها في قلوب أبنائها كانت تكبر يومًا بعد يوم. كانوا يحيطونها بالرعاية والبر، كما أحاطتهم هي يومًا بالحب والتضحية.

ولم تكن أم محمد عظيمة داخل بيتها فحسب، بل كانت في مجتمعها صاحبة رأي، وكلمة مسموعة، ووجهًا للإصلاح، وصاحبة حضور قوي في المناسبات.

وكانت شاعرة مجيدة، تناول شعرها كثيرًا من القضايا الاجتماعية، وأصلحت بكلماتها ما عجزت عنه أحيانًا المجالس والخطب.

أما الحديث عن مواقفها، فلو أردت استقصاءها لما كفتني الصفحات، ولخشيت أن أظلمها بذكر موقف دون آخر.

ويكفيها شهادةً أن الحزن الذي عم قبيلة حوالة، والدموع التي ذرفها رجالها ونساؤها، وفي مقدمتهم شيخ القبيلة، كانت أصدق من أي رثاء، وأبلغ من أي شهادة.

واليوم، وأنا أستعيد تلك الورقة القديمة التي كتبت فيها وأنا طفل عن المرأة التي قد تعادل بأفعالها عشرات الرجال، أبتسم في داخلي، فقد عرفت لاحقًا أن ذلك لم يكن مجرد موضوع امتحان…

بل كان وصفًا دقيقًا لامرأة اسمها أم محمد.

رحمكِ الله رحمةً واسعة، وجعل ما قدمتِه لأسرتك، ولمجتمعك، ولمن عرفك، في ميزان حسناتك.

لقد كنتِ امرأةً بأفعال عشرات الرجال.

بل كنتِ جبلًا أشم.

واليوم… سقط جبل أثرب.

عبدالعزيز حسين الزهراني

عن admin

شاهد أيضاً

منذ قليل خروج الوالد أحمد الدماك من غرفة العمليات الجراحية وبحسب الأطباء بأن حالتها مستقرة ولله الحمد

متابعات – جده:  بفضل الله و بفضل دعواتكم الطيبه أفادنا سعد بن أحمد الدماك منذ …