حيث أن تشخيص المشكلة هو نصف العلاج، وهذا ما اجتهدت فيه في مقالين سابقين، وحتى نكمل النصف الآخر من علاج هذه المشاكل برمتها، ولكي لا نُسهب في لعن الظلام، بل نوقد شمعة، ونضع خارطة عمل، يستطيع من خلالها أي قارئ أن يسترشد منها، وهي مفاتيح قد توصل لحلول منطقية وعملية، يستفيد منها الجميع، والهدف العام والمصلحة لنا جميعاً، تتلخص في الهدف الأسمى والمأمول، والذي يكمن في مأسسة وحوكمة بعض أعمالنا الاجتهادية، والتي لم يعد الاجتهاد فيها له مكان، وذلك بما يحقق أهدافنا الاجتماعية، والارتقاء بنا جميعاً، خصوصاً وأن الدولة لم تقصر في التشريعات وسن الأنظمة، التي تجعل من جميع أعمالنا نموذجاً للتنظيم الإجرائي والإداري الناجح، والأكثر فاعلية، والأجدى نتائج، وبما يحقق الوضوح والشفافية للجميع، سواء للجهات الرقابية، أو للمستفيدين.
هذه بعض النقاط أوجزها، أسأل الله أن تكون نواةَ أفكار وأعمال، وأن تكون ذات أثر في القريب العاجل:
– أولًا:
حوكمة الصندوق، وذلك بتسجيله بشكل رسمي في المركز الوطني للقطاع غير الربحي،
ولذلك فوائد منها:
الفوائد التنظيمية والقانونية:
– الاعتبار النظامي: يُمنح الصندوق الشخصية الاعتبارية المستقلة رسميًا فور صدور الترخيص.
– فتح الحسابات البنكية: يتيح فتح حساب بنكي رسمي باسم الصندوق، وذلك لتنظيم الإيرادات والمصروفات بدلاً من الحسابات الشخصية.
– الحوكمة والشفافية: يضمن تطبيق لوائح واضحة تحدد المسؤوليات، وآلية اتخاذ القرار، وطرق الصرف والمحاسبة.
وبناءً على ما سبق،
فإن مأسسة الصندوق وحوكمته، تقتضي نقل الإدارة المالية، من الاجتهادات الشخصية، إلى منظومة رقابية صارمة؛
وهذه أبرز مزايا الشفافية المالية بعد التسجيل الرسمي:
1- الرقابة والتدقيق المالي:
أ- حساب بنكي مستقل: يُمنع تماماً خلط أموال الصندوق بالثروات الشخصية، حيث تُودع الأموال في حساب بنكي رسمي باسم الصندوق.
ب- محاسب قانوني معتمد: يلتزم الصندوق بتعيين مكتب مراجعة حسابات مرخص، لتدقيق القوائم المالية السنوية، قبل رفعها للجهات الرسمية.
ج- إشراف المركز الوطني: يخضع الصندوق لرقابة وإشراف المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي، لضمان سلامة التعاملات المالية، ومكافحة غسل الأموال.
2- الحوكمة والإفصاح:
أ- التقارير الدورية: يُلزم مجلس الأمناء بإصدار تقارير مالية دورية، توضح الإيرادات، والمصروفات، وحجم الأصول.
ب- حق الاطلاع: يحق لجميع الأفراد (المؤسسين والمشتركين) الاطلاع على القوائم المالية، ومعرفة أوجه الصرف بكل وضوح.
ج- اعتماد الميزانيات: يتم إقرار الميزانية التقديرية، والحساب الختامي سنوياً، من خلال الجمعية العمومية أو مجلس الأمناء.
3- تنظيم آلية الصرف:
أ- تعدد التوقيعات: يتطلب الصرف من الحساب البنكي توقيع أكثر من شخص (مثل رئيس المجلس والمشرف المالي) لمنع التصرف الفردي بالأموال.
ب- مستندات وفواتير: يُثبت كل مبلغ يتم صرفه بموجب مستندات رسمية، وفواتير نظامية معتمدة، وفقاً للائحة الأساسية للصندوق.
– ثانيًا:
مجلس الأمناء، يُكَوَّن من أعضاء وكوادر تنفيذيين على مستوى عالٍ، وهم كثر وبيننا ولله الحمد، ومن الضروري جداً والمهم أن يكون معيار اختيارنا للأسماء هو الكفاءة، كلٌّ فيما يخصه، وترشيح أفضل الأشخاص الناجحين مهنياً في المجالات المستهدفة، ولدينا من شبابنا متخصصون مبدعون في كل مجال، ذكوراً وإناثا.
الاستشارات القانونية والمحاماة، المالية والبنكية، الأوقاف، الاستثمار.
ولكل فريقٍ مهام، سواءً أثناء مرحلة التأسيس، أو ما بعد التأسيس، كالتالي:
مهام الفريق الاستشاري القانوني:
يتولى هذا الفريق صياغة الإطار القانوني، وحماية الصندوق من أي مخالفات نظامية.
– مرحلة التأسيس:
* صياغة اللائحة الأساسية للصندوق، وذلك بما يتوافق مع أنظمة المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي.
* مراجعة وإقرار شروط العضوية والأنظمة واللوائح التنظيمية.
* تولي إجراءات التسجيل الإلكتروني، ومتابعة صدور الموافقة الرسمية والترخيص.
– مرحلة التشغيل (بعد التأسيس):
* الإشراف على الالتزام بالأنظمة، وتحديث اللوائح الداخلية عند الحاجة.
* مراجعة العقود والاتفاقيات التي يبرمها الصندوق مع الجهات الخارجية.
* تقديم الاستشارات القانونية للمجلس، والتعامل مع أي نزاعات قد تنشأ.
مهام الفريق المالي والبنكي:
يتولى هذا الفريق ضبط التدفقات النقدية، وتأسيس النظام المحاسبي الصارم.
– مرحلة التأسيس:
* إعداد اللائحة المالية الداخلية للصندوق، وتحديد ميزانية التأسيس.
* فتح الحساب البنكي الرسمي باسم الصندوق، وتحديد صلاحيات التوقيع المشترك.
* تصميم الدورة المستندية، ونظام توثيق السندات والفواتير.
– مرحلة التشغيل (بعد التأسيس):
* إدارة الحسابات اليومية، وتسجيل الإيرادات والمصروفات.
* إعداد التقارير المالية الدورية، والميزانيات الختامية السنوية.
* التنسيق مع مكتب المراجعة المحاسبي الخارجي المعتمد لتدقيق الحسابات.
مهام فريق الأوقاف:
يهتم هذا الفريق بأفكار الأصول الوقفية، ذات الأثر الاجتماعي، وتوجيه ريعها لدعم الصندوق.
– مرحلة التأسيس:
* حصر الأوقاف القديمة، ودراسة إمكانية ربطها بنظام الصندوق.
* ضبط صيغ صكوك الأوقاف الجديدة المقترحة.
* التأكد من مطابقة شروط الواقفين مع أهداف ومصارف الصندوق الأساسية.
– مرحلة التشغيل (بعد التأسيس):
* الإشراف على نظارة الأوقاف التابعة للصندوق، وصيانتها وتطويرها.
* توجيه ريع الأوقاف إلى المصارف المحددة لها من ذوي الحاجة.
* توثيق وتسجيل الأوقاف الجديدة التي يتم التبرع بها للصندوق مستقبلاً.
مهام فريق الاستثمار:
يركز هذا الفريق على تنمية رأس مال الصندوق، لضمان ملاءته المالية على المدى الطويل.
– مرحلة التأسيس:
* إعداد سياسة استثمارية واضحة، تحدد مستوى المخاطر المقبول للصندوق.
* دراسة الفرص الاستثمارية المتاحة (عقارات، أسهم، صناديق استثمارية مدرة للدخل، ودائع بنكية).
* وضع خطة توزيع الأصول، لضمان وجود سيولة نقدية كافية للحالات الطارئة.
– مرحلة التشغيل (بعد التأسيس):
* تنفيذ القرارات الاستثمارية المعتمدة، ومتابعة أداء المحفظة الاستثمارية.
* إعادة تدوير الأرباح، وتنمية أصول الصندوق بشكل دوري.
* تقييم المخاطر الاقتصادية، وتعديل الاستراتيجية الاستثمارية لحماية أموال الصندوق.
ملاحظة هامة:
– الحرص في مرحلة التأسيس على منح الفريق القانوني والمالي الأولوية القصوى لضبط التراخيص والحسابات، ثم يأتي دور فريقي الأوقاف والاستثمار لتنمية الأموال وتحقيق الاستدامة.
– ثالثًا:
تطوير أهداف الصندوق متوافقًا مع متطلبات الواقع الحالي بات أمرًا لا بد منه، ومن غير المنطق أن يكون هدف الصندوق الحالي أساسه وركيزته ومحوره مختزلًا في (الديات)! وإنْ كان ولابد، فلا يبقَ هدفًا وحيدًا في زمن التأمين، بل ضمن أهداف أخرى لا تقل عنه أهمية.
– رابعًا:
إيجاد آلية تتضمن توجيه الزكاة من الجميع لهذا الصندوق، ويتم الصرف منها على ما يتعلق بالجانب الوقفي، وهذا الإيراد بجانب الإيرادات الاستثمارية، ستضمن نمو عالي للسيولة المالية، قد تضاعف رأس مال الصندوق خلال سنوات قليلة.
– خامسًا:
فضلاً عن تعظيم أصول الصندوق ورأس ماله، وتحقيق أهدافه، فمن هذه الإيرادات الاستثمارية، نستطيع تخصيص جزء منها لما يتعلق ببعض الأنشطة الرياضية لشبابنا، وكذلك دعم حلقات التحفيظ القرآنية، بما يضمن نقلة نوعية لأبنائنا، في التجهيزات والإمكانات، وديمومة هذه الأنشطة الهامة بل وتطويرها.
الفوائد الاجتماعية والتكافلية:
– استدامة العطاء: يحول الدعم المالي العشوائي إلى عمل مؤسسي مستدام يضمن تحقيق الأهداف.
– تعزيز صلة الرحم: يجمع جميع المساهمين تحت مظلة واحدة، مما يقوي الروابط الاجتماعية واللقاءات الدورية.
– مأسسة التكافل: يُسهل تقديم الدعم المنظم لأهداف الصندوق، التي تُحدَّد له، سواء في حالات الديات أو الزواج الجماعي، أو غيره، والأزمات الطارئة لجميع الأفراد المستحقين.
وأخيراً أقول …
– الصندوق مستقبلاً يجب أن يكون القاطرة التي تقود، ويأتي من بعدها جميع الاحتياجات الأخرى، وتكون جميع أعمالنا تحت مظلته، وبأهدافه المُفصلة لاحتياجاتنا، وبالتراتبية الإدارية المتخصصة، وتنظيمه المالي المُحكم.
وبإمكان الفريق المختص بهذا العمل الاطلاع على الصناديق المشابهة، والاستفادة ممن سبقونا بهذه الأعمال.
– وبعيدًا عن الأمور التنفيذية، والتي هي من اختصاص ومهام الفِرق السابق ذكرها، فإننا لا ننسى دور كبارنا الأهم، والذين هم آباءٌ للقائمين على كل ما فيه خير لمجتمعنا خاصة، وللوطن بشكل عام، فكل ما سبق من كوادر، هم في الأصل نتاج تربيتهم – حفظهم الله- ، وليس لنا غنىً عنهم فيما نحتاجه.
– لن أكون من ضمن أي فريق عمل يتم تشكيله لهذه الأمور، وأنا من مقالي الأول ذكرت وأكررها، لا مصلحة شخصية لي، من قريب أو بعيد، بل هي محبة صادقة لأهلي، وغيرة على قريتنا، وأملاً في مستقبلنا.
– أهلنا ورجالنا جميعهم هم الخير والبركة، ورجال لا تنقصها شيمة أو قيمة، لم ولن يقصروا في أي عمل، من شأنه صلاح الصالح العام، ولنا في الماضي شواهد، ولكن لا يُلام البعض إن أعرض عن أي دعم لاحق، لأن نتائج السابق، عقبة متوقفة، وقاعة متعطلة، وصندوق غامض، بل اللوم كل اللوم على من أدار هذه الملفات، وحرمنا من الانتفاع بها، بل وحرمنا من دعم رجالنا محبي الخير، والذي قدموا الغالي والنفيس، ليروا أثراً لهذا الدعم.
– أؤكد أنه في حال تم تسجيل الصندوق رسمياً، ولكن بأسماء غير متخصصة، بل أسماء نجترها في كل أمر وخطب، ودائرة أسماء لا يريد لنا البعض الخروج منها، وقد أثبتت فشلها سابقاً، وبأهداف غير مواكبة ولا مُعلنة، ونتائج أعمال تشابه ما سبق، وتم التصرف بأموال المساهمين بالطرق التقليدية القديمة؛ سأكون أول من يطعن في شرعية ومصداقية هذا الصندوق، وأمام الجهات الرسمية.
– كل ما أخشاه هو أن يأتي جيل لاحق من أبنائنا وأحفادنا، ويرى أننا لم نواكب ونستثمر ما لدينا من إمكانات، وما منحنا الله من فكر ورجال، ولم نترك لهم إلا حملاً ثقيلاً من التعثّر، وعبئًا كبيراً من الفشل.
– من حقي وحق أي شخص، بعد هذه التساؤلات المتكررة، وكذلك الاجتهاد في وضع الحلول، وفي حال عدم التفاعل معها، وهي مطالب مشروعه وقانونية، بل وتدعو إلى حوكمة لكل عمل، ومصلحة لكل فرد؛ التقدم لأي جهة رقابية، لاستيضاح بعض الأمور الغامضة، وكشف أسباب الممانعة والمقاومة للتغيير والتطوير الإيجابي.